بقلم: أبو يعرب المرزوقي
سبق لي أن علقت على آراء الكثير من المعلقين على أحداث العراق في صلتها بمستعمريه المادي البعيد والروحي القريب قصدت أمريكا وإيران-ولعل أبرزهم صالح المختار- لما رأيت فيها من أمور بعضها يمكن أن يكون مغالطات مقصودة وبعضها الآخر مجازفات غير محسوبة.
لذلك فإني لا أدري وصف المعلقين الصحفيين لها بالاستراتيجية ما علته؟ فلا شيء من توقعاتهم حول مسار الحرب صح لأن ما ظنوه لعبا في الوقت الضائع منذ أكثر من سنتين بات أطول من الوقت غير الضائع. ثم إن تحليلاتهم لا يؤيدها دليل منطقي واحد فضلا عن التاريخ. فما يزعموه من انتصار فياتنامي يقيسون عليه الانتصار العراقي المنتظر يعني عدم الانتباه إلى معنى الانتصار ما هو ومن ثم الغفلة عن النتيجة الحتمية المتمثلة في تحول العراق إلى بلد كسيح كما حصل للفياتنام. وبدلا من السعي إلى جعل العراق نواة الوحدة العربية التي هي شرط العودة إلى التاريخ الكوني بات تفكير هؤلاء الاستراتيجيين ميالا إلى المراهقة الثوروية.
الأفعال التاريخية لا تتميز بالتوالي بل هي تتساوق لأن زمان الفعل ليس فيه تراخ ولا تراجع إذ إن ما يفوت وقت فعله لن يعود ومن لم يستسنح الفرص حين أزوفها تفوته كل القطارات.
|
|
وقد وجدت في كلامهم على ما يسمونه الأوليات الاستراتيجية التي من أهمها انتظار هزيمة أمريكا في الحرب المادية للالتفات إلى مناورات إيران في الحرب الروحية على العراق خاصة وعلى الوطن العربي عامة-بدلا من العمل المتساوق- أكبر علامات السذاجة الاستراتيجية فضلا عن العقم التصوري: فالأفعال التاريخية لا تتميز بالتوالي بل هي تتساوق لأن زمان الفعل ليس فيه تراخ ولا تراجع إذ إن ما يفوت وقت فعله لن يعود ومن لم يستسنح الفرص حين أزوفها تفوته كل القطارات. وكل تصورات هؤلاء الاسترايتيجيين المزعومين في كلامهم على الأوليات مبنية على فكرتين كلتاهما ممتنعة التحقيق:
|
1- هزيمة أمريكا الهزيمة التامة أعني طلب المستحيل حتى لو سلمنا بتخلي أمريكا عن مواصلة الحرب لأسباب تعتبر أكثر فائدة لاستراتيجيتها العالمية.
2- وبقاء شيء من العراق بعد ذلك قادر على الالتفات إلى إيران لهزيمتها وتصفية الحساب معها.
لكن كلتا الفكرتين فضلا عن امتناعها تستند إلى أساسين يثبتان حدسي منذ مقامي بكوالالمبور حول هذه الأفكار وتوقعات أصحابها لمجريات الحرب فضلا عن نتائج الفكر الذي كان في حكم العراق والذي آل به إلى ما نعلم: جزء من الشعب العراقي انتقلت زعامته الروحية إلى عدو العراق الأول والبقية فقدت كل زعامة روحية وزمانية لصالح أحد أفخاذ قبيلة لا تختلف في شيء عن القبائل العربية الأخرى الحاكمة إلا بالدعاية وقلة الحذر الاستراتيجي.
فأما الأساس الأول فهو الظن أن أمريكا أخطر على العراق من إيران خلطا بين كونها أكثر عداوة وكونها أكثر خطرا وسوء تقدير للفرق بين الحرب المادية الأمريكية والحرب الروحية الإيرانية: وتلك هي المغالطة التي تستعملها الدعاية الإيرانية أيضا.
فلا شك أن أمريكا أعدى في علاقتها بالعرب عامة والعراقيين خاصة. لكن ذلك لا يعني أنها أخطر عليهم. والقول إن إيران أخطر على العرب والمسلمين لا يعني الدعوة إلى محاربتها أو إلى التحالف مع أمريكا ضدها بل هو سعي لجلعها تدرك أن خطتها مكشوفة فلعلها ترعوي فتتحرر من الضحك على ذقون العرب بالمزايدة عليهم في قضاياهم: فحربها الروحية ستكون أكبر كارثة على الجميع لو كان استراتيجيوها يعلمون وهي في كل الأحوال ستكون أكثر ضررا على إيران منها على العرب لأن الإسلام سيبقى دائما لصيق بالثقافة ذات اللسان العربي خاصة وطبقة ايران الدينية لا يمكن أن يكون لهم سلطان من دون الزعم أنهم من السادة ومن ثم أنهم من أشراف العرب !
كل تاريخ الفكر الاستراتيجي يبين الفرق بين العداوة التي هي مادية وأثرها من التاريخ القصير والخطر الذي هو روحي وأثره من التاريخ المديد.
|
|
وكل تاريخ الفكر الاستراتيجي يبين الفرق بين العداوة التي هي مادية وأثرها من التاريخ القصير والخطر الذي هو روحي وأثره من التاريخ المديد: يكفي مثال الحرب العالمية الثانية. فالغرب الرأسمالي لما حالف الشرق الشيوعي ضد ألمانيا واليابان لم يكن يجهل أنه أكبر أعدائه بل هو فعل لأن استراتيجييه كانوا يعلمون الفرق بين الخطر البنيوي والعداوة الظرفية.
فالعلاقة بين الخطر والعداوة من جنس العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك. ومن يهمل معركة بسبب التقديم الآلي وغير المحلل للإستراتيجي على التكتيكي يمكن أن يفقد نهائيا فرصة النصر الاستراتيجي إذا أخر التكتيكي رغم وجوب تقديمه في بعض الحالات. وسأبين سر هذه المفارقة في المسألة الثالثة: والقاعدة الذهبية هي أن الخطر الحالي مقدم دائما على العداوة الدائمة لأن عدم علاجه يراكم الضعف فيؤدي إلى الهزيمة.
|
وأما الأساس الثاني فهو الظن بأن أمريكا عندما تغادر العراق فذلك يعني أنها هزمت هزيمة تلغي دورها في الخليج فضلا عن دورها العالمي: من يفكر بهذه الصورة يجهل أن أمريكا هي الدكتاتورية الذكية التي هزمت كل الدكتاتوريات الغبية أعني الثلاثة المعلومة أي اليابانية والنازية والبلشفية. فهذا من الأوهام التي لا تدغدغ ذهن من يفكر في مصير الوطن فيتخلص من همه الوحيد أعني مصير حزبه فيتصور المقاومة يمكن أن تكون الهر الذي يحكي انتفاخا صولة الأسد.
ليست أمريكا في حرب استراتيجية مع المقاومة العراقية بل هي في حرب استراتيجية هدفها التمهيد والاستعداد لربح الحرب ضد العماليق القادمين. وهي ليست في حرب تقليدية بمعنى تحقيق النصر العسكري إذ لو كان ذلك القصد لمحت جل المدن العراقية من على الخارطة. إنما هي ترتب الأمر لما يمكن أن يمكنها من تجنب الحرب الفعلية مع من هو من حجمها أعني العماليق القادمين.
|
|
ليست أمريكا في حرب استراتيجية مع المقاومة العراقية بل هي في حرب استراتيجية هدفها التمهيد والاستعداد لربح الحرب ضد العماليق القادمين. وهي ليست في حرب تقليدية بمعنى تحقيق النصر العسكري إذ لو كان ذلك القصد لمحت جل المدن العراقية من على الخارطة. إنما هي ترتب الأمر لما يمكن أن يمكنها من تجنب الحرب الفعلية مع من هو من حجمها أعني العماليق القادمين بهزمهم بدارا قبل الشروع في الحرب وذلك يحصل بمجرد أن تستحوذ على أرض المسلمين التي فيها كل شروط السلطان على شروط الندية معها الشروط التي يصبو إليها العماليق المقبلون: أوروبا وروسيا والصين والهند الذين هم أكثر حاجة لما عندنا منها وهي لا تحتاج إليه لقيامها كقوة عظمى بل للبقاء قوى أولى ومن ثم من أجل الاستعداد لمعركتها معهم.
لذلك فلهذه المحاولة للتعليق على مثل هذه الأفكار-حول الاستراتيجية الغريبة التي تتصور العداء لأمريكا وإسرائيل يكفي لتناسي الأخطار الأخرى المحدقة بالأمة-ثلاث مسائل رئيسية نعالجها فرادى ومسألتان جامعتان نعالجهما خلال الكلام على المسائل الثلاث الجزئية بوصفهما ملازمتين لكل واحدة منها ملازمة الأرضية للصورة التي تنتأ عليها.
|
ونسعى في هذه المحاولة إلى أن نبين سذاجة تحليلات الاستراتيجيين العرب الذي آلوا بالأمة في مسعاهم التحديثي الأخرق باسم العلمانية البعثية والقومية مآلا جعل الإسلام الذي هو أقوى أسلحتها الروحية في الصمود والتصدي فضلا عما يمدها به من رسالة كونية يصبح ورقة في يد إيران تتلاعب بها وتساوم عليها من هب ودب:
المسائل الجزئية الثلاث وتعالج كلا على حدة:
المسألة الأولى: هزيمة أمريكا في العراق ماذا تعني ؟
المسألة الثانية: ماذا ستفعل أمريكا إذا هزمت في العراق؟
المسألة الثالثة: أيهما أخطر على العراق أمريكا أم إيران ؟
المسألتان الجامعتان ويتخلل علاجهما المسائل الجزئية:
المسألة الثالثة: الالتفات إلى إيران كيف يمكن أن يصبح ممكنا ؟
المسألة الأخيرة: ما طبيعة العمى الاستراتيجي العربي وما مدى سخف الاستراتيجيين الإيرانيين الذي يتصورهم بعض المعلقين العرب أذكياء لمجرد أن الغرب يلاعبهم ويتلاعب بكبريائهم ليغريهم بتقوية العداوة من حولهم تيسيرا للضربة القاضية عليهم أو للإبقاء عليهم أداة تخويف للأنظمة العربية الهشة؟
المسألة الأولى: هزيمة أمريكا في العراق ماذا تعني
يكثر هذا الفكر الاستراتيجي من التشكيك في إرادة أمريكا السياسية وعزمها التاريخي إلى حد يحصر استراتيجياتها في مجرد الحساب الضيق للشركات التجارية لكأن العراق هو الذي هزم ألمانيا واليابان مجتمعين وليس الأمريكان ولكأنهم ليسوا الآن أول قوة في العالم وفي جميع ميادين أدوات القوة العلمية والتقنية والاقتصادية وحتى الإبداعية في المجالات الرمزية.
وإذا كان فكر الاستراتيجيين مستندا إلى مقدمات مغلوطة فالنتائج التي سيصل إليها ستكون مغلوطة حتما حتى لو سلمنا بصحة الصورة الاستدلالية فضلا عن اتهام من ينبه إلى ذلك بالعمالة إلى أمريكا: لكأن الإخلاص للأمة ليس مشروطا بتنبيهها للأخطار الحقيقية وحجمها الحقيقي وليس بالتهوين من قوة العدو للوقوع في ما وقعت فيه من هزائم ليس أقلها سقوط عاصمة الخلافة.
ونحن نسلم صحة الصورة المنطقية لتفكير الاستراتيجيين العرب تسليما جدليا. فكل من يتجاهل عناصر قوة عدوه لا يمكنه أن يضاهيه فضلا عن أن يتغلب عليه في الحروب الوجودية والحضارية التي تتجاوز كل المعارك الجزئية: وخاصة إذا اجتمع عليه عدوان أحدهما يسعى إلى استعمار أرضه ماديا والثاني يسعى إلى استتباع شعبه روحيا. يتناسى هؤلاء أن هذه النظرية في تعريف طبيعة الموقف الأمريكي حتى لو صحت فإنها لا يمكن أن تكون بمنطق المطابقة بين الجزء والكل.
فهب أمريكا تعمل بمنطق الشركات أفيعني ذلك أنها تعمل كشركة متخلفة كما يتصورها استراتيجيونا أم هي تعمل بمنطق جهاز مركزي لمنظومة من الشركات يمكن اعتبارها مجلسا خفيا يسير العالم بأدوات السلطان الفعلية الخمس: الاستعلام والإعلام والعلم والاقتصاد والقوة العسكرية؟ وهي تخفي ذلك كله بأداتي السلطة الرمزية: الإبداع الرمزي للتلاعب بالمخيال العالمي والمناورات الدبلوماسية للتلاعب بالقوى السياسية العالمية.
ومعنى ذلك أن المنطق الذي ينطبق عليها لا يقتصر على الحساب قصير النظر ولا على التخطيط قميء الوتر: ولا يمكن للأمة العربية من دون الوحدة والتحول إلى قلب الأمة الإسلامية أن تكون ندا في صدام طويل المدى مع أمريكا. وكل من يتصور بلد مثل العراق أو إيران أو أي قطر آخر قادر على منازلة أمريكا لا يمكن أن يعتد بفكره لأنه إن كان صادقا فهو ساذج في حق نفسه وإن كان منافقا فهو مجرم في حق أمته.
أمريكا لا تعتبر العراق أو إيران ندين فتحسب لهما حسابا لذاتهما بل هما لا يذكران عندها لذاتهما في الاستراتيجية الدولية إنما هما يمثلان في منظورها ما يمكن أن يعتبر حبة الرمل التي قد تعطل عمل آليات فعلها الاستراتيجي أعني بعض العوائق أمام استراتيجيتها الكونية. هدفها هو الاستعداد للعماليق القادمين. وهي في سعيها إلى هذا الهدف تعترضها بعض الأشواك في الطريق ومنها العراق وإيران إلخ... فتزيحهما بشيء من الحذر دون الحاجة إلى الحرب الشاملة التي قد تعقد السير نحو الهدف اعني الاستعداد للعماليق أو الأنداد حقا: الصين والهند وأوروبا وروسيا العائدة.
وطبعا فأنا لا أكتب في الموضوع بمثل هذا المنطق إعجابا بأمريكا أو باسرائيل أو هياما بمشروعاتهما التي أعلم أنها تنوي منعنا من استئناف دورنا الكوني بملهيات من جنس ما قضى على الناصرية والبعثية وقيم الثورة الجزائرية بل لأني لا أريد للأمة الإسلامية وقلبها الشعب العربي أن يعيشا على أوهام ثوروية تبقي طموحمها منحصرا في دور حبة الرمل التي تعطل إحدى القوى العالمية لصالح قوى أخرى فيكونان مجرد لعبة تتقاذفها الرياح تماما كما حصل لهما في الحرب الباردة عندما فقدت الأمة السلطان على مصيرها لأن الحاكمين باسم المحافظة صاروا أداة أمريكية والحاكمين باسم الثورة صاروا أداة سوفياتية فخرج الجميع من الحرب بخفي حنين وازداد الأقوياء قوة وصرنا أقرب إلى ما كنا عليه قبل حرب التحرير بل حتى قبل مرحلة الاستعمار بعد أن كادت تزول فعالية الوحدة الروحية التي كانت سائدة في ديارنا: عادت القواعد العسكرية وعاد رأس المال الغربي والثقافة الغربية ولكن هذه المرة بطلب من بعض أهل البيت لحماية البعض من البعض ومساندة عروش خاوية على أعجازها.
أمريكا تسعى لحوز ما يمكن أن يقاسمها إياه عماليق الغد الأربعة المحيطين بدار الإسلام إذا لم تسبقهم إليه وهذا يقتضي استعمار الأرض العربية قلبا لدار الإسلام بأقل كلفة ممكنة وبصورة تخفف عداوة أهلها والعمل على تناقضاتهم الداخلية لكي يكون وجودها فيها مطلوبا من البعض ضد البعض وبعناوين جذابة
|
|
أمريكا تسعى لحوز ما يمكن أن يقاسمها إياه عماليق الغد الأربعة المحيطين بدار الإسلام إذا لم تسبقهم إليه وهذا يقتضي استعمار الأرض العربية قلبا لدار الإسلام بأقل كلفة ممكنة وبصورة تخفف عداوة أهلها والعمل على تناقضاتهم الداخلية لكي يكون وجودها فيها مطلوبا من البعض ضد البعض وبعناوين جذابة مثل تحرير الناس من المستبدين بأمرهم وتحريرهم مما يبدو قيدا على حرياتهم أمام إغراء ثقافة الإباحية والاستهلاك في حين أنه عين حصانتهم الوحيدة المتبقية لوجودهم التاريخي إلى حين تحقيق شروط الاستئناف الفعلية: وذلك هو معنى لعب أمريكا بفكرة الديموقراطية وحقوق الإنسان والازدهار الاقتصادي إلخ....
وما لم ينطلق المرء من هذا المبدأ فإن كل تحليلاته تكون من السذاجة الاستراتيجية: عندما يتصور العراق أو إيران أنه يزن في الاستراتيجية الدولية لذاته فإن ذلك ليس علامة على السذاجة فحسب بل هو عين السخف الذي يحول دون طلب الحلول الجذرية كما تفعل أوروبا مثلا أو الهند أو الصين أو حتى روسيا ومن ثم الدخول في الطرق المسدودة التي تسمى مقاومة خرقاء من دون استراتيجية مصاحبة تنقل المقاومة إلى القيام كما بينا في غير موضع.
|
فدخل إيران أو العراق دخلهما القومي الخام حتى مجموعا أقل من رقم معاملات شركة متوسطة في بلد أوروبي متوسط فضلا عنه في أمريكا. والسلاح الذي تباهي به جيوش العالم الثالث خردة بالقياس إلى سلاح العدو لو كان الأمر متعلقا بحرب شاملة: فأي سلاح يمكن الكلام عليه إذا كان من شرطه أن يأتي العدو لأرضك وأن يتسامح فلا يستعمل كل قوته ليلغيك من الوجود لو أراد ؟
لذلك فالحرب الحقيقية ليست بالأساس في ساحات القتال بل هي بالجوهر في الجامعات ومعاهد البحث أعني في مجالات العلوم والتقنية والاقتصاد. وهي جميعا حروب لا تكفي فيها دخول هذه البلاد القومية على تمويل أحد فروعها فضلا عنها جميعا: ميزانية البحث الطبي في أمريكا أو في أوروبا أكبر من الدخل القومي الخام لهذه البلاد التي يزعم استراتيجيوها هزيمة أمريكا بإعادة بلدانهم إلى العصر الحجري أعني بأفغنة بلادهم أو صوملتها من أجل الحفاظ على الأنظمة في غياب المشروع التوحيدي الممكن من شروط القيام كما فعلت أرووبا بعد أن تحققت من فقدانها شروط الدور الكوني بعد الحرب العالمية الثانية.
لذلك فينبغي لأي مفكر استراتيجي سوي أن يفكر جيدا في شروط القيام قبل الحلم بالنصر في الصدام كما تفعل أوروبا التي فهمت أنها خرجت من التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية من حيث هي دول قومية متناحرة فسعت إلى تكون المجموعة التي سترجعها إلى التاريخ في المدى المنظور رغم كل الحروب التي دارت بينها خلال أكثر من سبعة قرون.
فما المقصود إذن بهزيمة أمريكا في العراق ؟ هل خروج الجيش الأمريكي من العراق حتى وهو يائس من القضاء على المقاومة دليل على هزيمة أمريكية ؟ فلنقس الأمر على ما يسمى بهزيمتها في فياتنام حتى وإن لم ندخل في الاعتبار المناعة التي اكتسبتها من التجربة التي حصلت لها فيه. فهي أولا لن تنتظر حتى يحصل ما يشبه أعراض فياتنام بل هي سترحل قبل ذلك. ولكن إلى أين؟ أليس إلى ما سيشدد الخناق على من يتصور نفسه قد انتصر فيؤول أمره إلى ما آل إليه حال فياتنام بل وأكثر لأن الرهان هنا أهم بأضعاف المرات منه هناك: مجرد بلد كسيح يطلب بإلحاح أن يزوره السياح الأمريكان وأن يتنعم عليه رأسمال ببعض الفتات؟
فما نتيجة هزيمة أمريكا وانتصار فياتنام: هل صارت فياتنام قوة عظمى أم أصبحت مجرد مجتمع كسيح لا يساوي الدخل الفردي فيه لقمة العيش الدنيا في أقل بلاد آسيا تقدما فضلا عن الذل الناتج عن الحاجة إلى رأس المال الأمريكي لبناء الشروط الدنيا للدولة الحديثة ؟
وهل أصبحت أمريكا قوة من الدرجة الثانية أم إنها صارت القوة الأولى رغم ما يسمى هزيمة ؟ هل نريد أن يكون ذلك مصير العراق والعرب؟
كذلك سيكون العراق إذا ظللنا نفكر بهذه الطريقة: فأمريكا عندما تغادره تكون قد أعادته إلى القرون الوسطى ماديا (تهديم كل منجزاته) وروحيا (العودة إلى القبلية والطائفية) فيكون المستقبل أشبه بما نراه في أفغانستان.
هل نريد للعراق أن يبقى في حرب أهلية دائمة بين أمراء الحرب فضلا عن دور إيران الذي سنأتي إليه لاحقا ؟ هل يمكن أن يستقر له قرار عندئذ من دون شروط أمريكا أي من دون أن يتحالف أي نظام يحكمه معها لحمايته تماما كما هو الشأن في كل دول الخليج: وتلك هي غاية أمريكا. وذلك هو المقصود بالديموقراطية الأمريكية: إنها الدول البانانية كما حدث في أمريكا الجنوبية (يتبع)
صفحة للطباعة
أرسل هذا المقال لصديق