بقلم: أبو يعرب المرزوقي
وبذلك نصل إلى بيت القصيد في كلام من يزعم أن عداوة أمريكا وإسرائيل التي لا خلاف حولها ينبغي أن تصبح ملهاة تصرف نظرنا عن الأخطار الأخرى متصورين الأمر مقصورا على دعاية من أعدائنا وليس خطرا فعليا. لن أعود إلى الحجة الاستراتيجية التي تقدم الأخطر عند الأزوف على الأعدى عند عدم الأزوف خاصة إذا كان الأخطر هو في حقيقته في خدمة الأعدى من حيث لا يعلم أو لتصوره أن العدو سيقاسمه الغنائم في ما لا يقبل القسمة إلا بين من هم من نفس الحجم الاستراتيجي. فحلف أمريكا مع ستالين ضد هتلر دليل على صحة هذه القاعدة لعلتين.
فالحرب بين الرأسمالية والشيوعية عداوة متأصلة وهي عداوة بينة ومدى علاجها طويل ومن ثم فلا خوف من انقلابها إلى بديل ملغ للوجود كما هي الحال بين التسنن والتشيع. إنها معركة طويلة الأمد ومن ثم فهي لا تحسم في معركة واحدة مهما احتدمت. لكن انتصار هتلر في الحرب العالمية كان سيهدد النظام الرأسمالي من الداخل إذ كان يمكن أن يذوب شكله التحرري في شكله الاستبدادي. ثم إن قدرة ألمانيا الفائقة على منافسة أمريكا في مصدر قوتها وعجز الاتحاد السوفياتي على ذلك أعني في الإبداع العلمي والتقني والاقتصادي وفي الانسيابية الاجتماعية كلها أمور تجعل الحلف مع ستالين أخف الضررين وأكثر فائدة لأن هتلر أخطر رغم أن ستالين أعدى.
والخيار بين أمريكا وإيران من هذا المنظور لا ينبغي أن ينظر إليه من زاوية يكون فيها معيار الخيار هو نفسه رغم أن مجال تطبيقه مختلف. فليس هو التنافس في القوة العلمية والتقنية بل هو التنافس في القوة الرمزية والروحية.
فإيران مثلها مثل العرب متخلفة علميا وتقنيا رغم الخطاب العنتري بل إني أكاد أزعم أن أصغر البلاد العربية لو توجه نحو التسلح لفعل أفضل من إيران: فلتونس مثلا من العلماء في جميع المجالات الحديثة ما تفوق به إيران كيفا إن لم يكن كما.
لذلك فالتنافس بينها وبين العرب ليس من جنس مادي بل هو من جنس رمزي. ويكفي أن يعود للعرب الطموح التاريخي حتى يصبحوا قادة للأمة الإسلامية لأن الريادة لهم عددا وعدة واستعدادا وثروة فضلا عن كون الرسالة الإسلامية منبتها فيهم وفي ثقافتهم قبل أن تصبح ثقافة للعالمين.
بهذا المعنى تكون إيران أخطر من أمريكا حتى وإن كانت أمريكا أعدى منها: أمريكا تريد ما عندنا من مصادر مادية وإيران تريد ما عندنا من مصادر روحية. وأمريكا تعلم أن مطلوبها ممكن لها ممتنع على إيران وأن مطلوب إيران ممكن لإيران ممتنع على أمريكا.
|
|
وإذن فالتنافس هو على دور الإسلام. فإذا انتزعته منهم قوة أخرى لم يبق لهم شيء يذكر للمقاومة فضلا عن القيام لأن عوامل القوة المادية وحدها لا يمكن أن تؤسس دورا تاريخيا كونيا. وبهذا المعنى تكون إيران أخطر من أمريكا حتى وإن كانت أمريكا أعدى منها: أمريكا تريد ما عندنا من مصادر مادية وإيران تريد ما عندنا من مصادر روحية. وأمريكا تعلم أن مطلوبها ممكن لها ممتنع على إيران وأن مطلوب إيران ممكن لإيران ممتنع على أمريكا. وإيران تعلم ما تعلمه أمريكا: لذلك فهما تتقاسمان الغنيمة ولا يمنعان الماعون!
لكن الاستراتيجيين العرب الذين من جنس السيد المختار لا علم لهم بما يعلمه الأمريكان والإيران رغم تعالمهم اللفظي في العموميات التي لا تسمن ولا تغني: وكما قيل فإن الحكم الذي هو من المواهب الإلهية. وغيابه عند استراتيجيينا يبدو لي من السمات الغالبة بل يمكن أن نفسر به كل ما حل بنا من مصائب.
|
فلو فرضنا أمريكا أو إسرائيل انتصرت علينا في معركة لكان ذلك قابلا للرجع بمجرد أن نسترد قوتنا المادية ما ظلت فينا القوة الروحية أعني الوعي بمنزلتنا في التاريخ وبكوننا أمة ذات رسالة نعتقد أننا أهل لها: كل الهزائم العسكرية قابلة للرجع. لكن الهزيمة الروحية لا تقبل الرجع أبدا. أمريكا وإسرائيل تستهدفان أرض العرب وهذا رغم أهميته متردد بين الأيدي. وإيران تستدف روح العرب سنتهم وشيعتهم: وقربها الروحي منا يجعل استحواذها على الإسلام أمرا ممكنا وهو أمر إذا حصل لا مرد لأثره.
فإذا تشيع السني وتصفين الشيعي خرج الإسلام من العرب وبات أداة ضاربة بيد إيران. أما إذا احتلت إسرائيل أرضا عربية فإن استرجاعها مسألة وقت خاصة إذا ظلت في الأمة بفرقتيها الرئيسيتين (السنة والشيعة) روح المقاومة وإرادة القيام المستقل وهما مترتبان ضرورة على بقائها مسلمة وعلى ثباتها على حصانتها التي تلازم وعيها التاريخي بدورها الكوني. ولا يعني ذلك أني أقبل باحتلال الأرض فهذا أمر أرفضه كذلك أيا كان المحتل وإنما أقول ذلك عند الاضطرار للخيار بين ضررين تحديدا للأوليات في استراتيجية التحرر.
ولنضرب مثالا واحدا من التاريخ الأوروبي. فنلفرض أن العرب لم يكتفوا باحتلال الأندلس بل نشروا الإسلام بين أهلها فأزالوا حصانتهم الروحية المستمدة من محرك حرب الاسترداد هل كانت هذه الحرب تكون ممكنة بالصورة التي حدثت بها فتنجح في إخراج المسلمين منها ولو بعد ثمانية قرون؟ أما كانت اسبانيا حتى بعد التحرر من السلطان العربي تبقى مسلمة كما حصل في كل البلاد التي بقيت إسلامية بعد أن زالت الخلافة العربية؟ أنظر ما حدث في أمريكا نفسها؟ خرج الإسبان لكن الثقافة الاسبانية بقيت. وخرج الانجليز. لكن الثقافة السكسونية بقيت. وخرج الإنجليز من الهند لكن الهند صار سكسوني اللسان والوجدان على الأقل نخبه. وشعبه سيلحق بالنخب بالتدريج.
ولما كان من العسير أن يتمسح المسلمون فضلا أن يتهودوا –ونحن في المغرب مجربون لأن الاستعمار الفرنسي والكنيسة الكاثوليكية سعيا إلى ذلك وفشلا ولذلك حصلت حروب التحرير وعادت الحضارة العربية الإسلامية إلى سابق عهدها عندنا بل عادت عودة بجذوة أكبر- فإن الخطر الأمريكي والأسرائيلي يبقى دون الخطر الإيراني في الظرف الراهن وبالذات بسبب العداوة مع الاولين وبسبب القرب من إيران.
المعركة الراهنة هي مع الخطر المحدق من التمدد الإيراني سواء بتشييع السني أو بصفينة الشيعي دون نسيان العدواة البنيوية مع الأمريكان والإسرائيليين. والخطر الداهم له الأولوية دائما رغم أن العداوة الدائمة تبقى هي الهدف من القضاء على الخطر الداهم.
|
|
فالمعركة الراهنة هي مع الخطر المحدق من التمدد الإيراني سواء بتشييع السني أو بصفينة الشيعي دون نسيان العدواة البنيوية مع الأمريكان والإسرائيليين. والخطر الداهم له الأولوية دائما رغم أن العداوة الدائمة تبقى هي الهدف من القضاء على الخطر الداهم.
ذلك أنه لو قدر للخطر الداهم أن يستفحل فإن الحرب مع العدو الأساسي ستصبح لاغية لأننا نكون قد زلنا فلم يعد محل للكلام على الحرب من أصلها: سيكون الخطر القريب قد ألغى كل مقاومة للخطر البعيد ويصبح العدو المادي مضطرا للصلح مع العدو الروحي بتقاسم الغنيمة التي نكونها نحن. فإذا تصفينا لم يعد للحرب مع أمريكا أي معنى من منظور عربي سنيا كان أو شيعيا إذ ليست الحرب هدفا في ذاتها بل هي حرب من أجل قيم ومن ثم فهي تفقد معناها إذا تقدم عليها زوال القيم نفسها: ستتقاسم إيران وأمريكا الوطن العربي تماما كما كان يريد الشاه أن يفعل ولكن هذه المرة بصورة أنجع لأن الاستراتيجية قدمت غزو الوجدان على غزو الأبدان.
|
لكن الحجة الأهم هي التالية:
إذا كنت في حرب مع عدو واضح فإن الخطر المتأتي منه يكون دائما دون الخطر المتأتي من العدو غير المعلن إذا كون طابورا خامسا فضلا عن كون الخطر الأجنبي يعلن عن نفسه فيولد بذاته حوافز التصدي له بخلاف العدو الداخلي.
فروع الطابور الخامس يمكن اليوم أن تكون ثلاثة أصناف واضحة فضلا عن الخونة في كل الأصناف: المتمسحون الجدد (في المغرب العربي خاصة) والمتصفينون الجدد (في الشام خاصة) والمتأمركون الجدد (في جل النخب العربية التي انتقلت من الشيوعية إلى الليبرالية).
|
|
وفروع الطابور الخامس يمكن اليوم أن تكون ثلاثة أصناف واضحة فضلا عن الخونة في كل الأصناف: المتمسحون الجدد (في المغرب العربي خاصة) والمتصفينون الجدد (في الشام خاصة) والمتأمركون الجدد (في جل النخب العربية التي انتقلت من الشيوعية إلى الليبرالية). إنهم يسهلون على العدو تحقيق النصر الحاسم: هزيمة الأمة الروحية بما يحدثوه فيها من بؤر للفوضى وحروب طائفية وأهلية.
وهم جميعا متحالفون إن لم يكن ذاتيا فموضوعيا: والعلامة هي استعمال نفس فنيات الغزو من فوق ومن تحت أعني تكون أقطاب تمويل للسيطرة على النخب وأقطاب مساعدة مباشرة للسيطرة على العامة ويجمع بين الأمرين الحرب النفسية أو حرب الأفكار بالمقاومة البطلية شيعيا وبالأفكار أمريكيا وبدعاوى الكونية الروحية مسيحيا.
|
وما لم تقض على الطابور الخامس فإن معركتك مع العدو الأساسي (أمريكا وإسرائيل) تكون خاسرة في كل الأحوال حتى لو تمكنت منه في المعارك الجزئية لأنه يكون قد زرع في جسدك الجراثيم التي ستقضي عليك في الغاية خاصة إذا اطمأننت لنصر مادي زائف سرعان ما يزول بمجرد ظهور أعراض المرض العميق الذي زرع فيك جراثيمه الحامل به.
الخاتمة:
سيتصور الكثير أن هذا التحليل دافعه العداء لإيران في حين أن الخوف فيه على إيران من حبائل أوهامها وتلاعب أعدائنا المشتركين بهم وبنا يعادل الخوف منها على العرب. فعندي أن الفكر القومي الإيراني يمر بما يمر به كل فكر قومي متطرف وقد سبقهم إليه العرب فرأينا المآل. والتركيز على إيران الآن علته أنها هي التي بلغت أوج هذا المرض في اللحظة الراهنة خاصة وتركيا بدأت تتخلص منه.
|
|
سيتصور الكثير أن هذا التحليل دافعه العداء لإيران في حين أن الخوف فيه على إيران من حبائل أوهامها وتلاعب أعدائنا المشتركين بهم وبنا يعادل الخوف منها على العرب.
فعندي أن الفكر القومي الإيراني يمر بما يمر به كل فكر قومي متطرف وقد سبقهم إليه العرب فرأينا المآل. وعندي أن القوميات الخمس التي بنت الإسلام تعيش نفس المأساة منذ قرنين تقريبا. والتركيز على إيران الآن علته أنها هي التي بلغت أوج هذا المرض في اللحظة الراهنة خاصة وتركيا بدأت تتخلص منه. وكذلك العرب بعد الهزائم المتكررة. لذلك فهذا الكلام ليس حربا عليها بل هو من باب النصح لها وللعرب: فاستراتيجيتها الحالية يمكن أن تجعل الجميع في المشنقة الأمريكية الإسرائلية.
وطبعا فلا يمكن لمفكر قومي –سواء كان عربيا أو فارسيا أو تركيا أو كرديا أو بربريا- أن يفهم مثل هذه البعائد. وما يعنيني في هذه المحاولة هو المفكرين العرب الذين يحاولون الكلام على الاستراتيجيات المستقبلية بعقلية الطبيب الرعواني: فهم جميعا يتصورون الدين مجرد إيديولوجيا ويعتبرون القومية هي الأساس.
|
لذلك فقد تنازل القوميون العرب عن الإسلام الذي ينزلهم المنزلة الكونية في ضمير خمس البشرية من أجل حفنة تعادي الإسلام بالجبلة رغم تظاهرها بالعروبة (متناسين أنهم بذلك يستفزون أقليات أهم في الأمة العربية ليسوا عربا مثل البربر والكرد إلخ) تنازلوا عنه للقوميين الإيرانيين الذين هم أذكى منهم لعلمهم أنهم بفضله يمكن للممثلي القومية الإيرانية من المراجع أن يستعبدوا أرواح الغالبية من شعب العراق وكل الأقليات الشيعية في الوطن العربي ليس بسبب قوة الدعاية الإيرانية فحسب بل بسبب ظلم الأنظمة التي لم تراع حقوق الأقليات. وكل ذلك يتم تحت أنظار هؤلاء الاستراتيجيين العرب المزعومين حتى باتت كلمة واحدة من المرجع الشيعي تمكن الجيش الأمريكي من دخول مدن العراق بسلام بل ووتمدهم بأدلاء من العراقيين أنفسهم ومترجمين وبفتاوى من هذه المراجع التي لا تكاد ترطن بالعربية.
ونفس الأمر سيحصل لما تطلب إيران من المراجع توجيه الشعب العراقي-إيهاما إياه أن ذلك من أجل آل البيت وخدمة للإسلام- ضد أي نظام يفكر في تقديم مصلحة العراق عند تعارضها مع المصلحة الإيرانية. وطبعا فإن هذا ما كان ليحصل لو كان الفكر الاستراتيجي العراقي يولي أهمية لغزو النفوس الذي هو منذ أن كتب ابن خلدون نظرية الحرب الإسلامية أهم من غزو الأبدان. يمكن لك أن تسيطر مؤقتا على أرض من أراض الخصم لكنك لا يمكن أن تطمئن إذا كان لديه إرادة لاستردادها. لذلك اعتبر كلاوزفيتس المرحلة الحاسمة في الحرب ليست مرحلتها الأولى أعني نزع سلاح العدو ولا مرحلتها الثانية أعني احتلال أرضه بل مرحلتها الأخيرة أي قتل إرادة الصمود والمقاومة فيه أعني حصانته الروحية.
والاستراتيجيون العرب والقوميون منهم على وجه الخصوص بدأوا بإلغاء هذه الحصانة وأهدوها لمن وصفوهم بكونهم الأعداء التاريخيين متناسين أنه لا معنى لهذا التصنيف بل المطلوب معرفة أي الأعداء أخطر بحسب الظرفيات-صراع القوميتين العربية والفارسية أعني العودة إلى الشعوبية مطعمة بالقومية الغربية- ظنا منهم أن التحديث يعني البدء بقتل النفوس تصديقا لحرب أعدى أعداء الأمة عليها في قولهم إن الدين أفيون الشعوب-اليهود- وليس حافز التحرر الأساسي التحرر الروحي قبل التحرر المادي. فليفهمني أي عراقي كيف يمكن للتشيع لعلي وذريته أن يكون إيرانيا ومن شروطه أن يكون من دم عربي لأن الأيمة لا بد أن يكونوا من عترة الرسول؟ كيف تكون المراقد كلها في العراق ويكون المرجع الأساسي إيرانيا لا يحسن حتى الرطن بالعربية ؟ أليس لأن المراجع العربية قد قتلتها الأنظمة المزعومة علمانية وهي في الحقيقة ما تزال قبلية ؟ إذا كان العرب قد خرجوا من الإسلام بتبني عقيدة علمانية أفلا يحق للمسلمين الآخرين صادقين أو منافقين أن يتسفيدوا من غبائهم ؟
صفحة للطباعة
أرسل هذا المقال لصديق