البداية ׀ التعريف بالموقع ׀ أرسل مقالاً ׀ الأرشيف ׀ البحث ׀ أخبر صديقك ׀ راسلنا

خدمات لزوار الموقع
 
 التعريف بالموقع
 هيئة التحرير
 أرسل مقالاً
 الأرشيف
 البحث
 منتدى الشهاب
 أخبر صديقك
 راسلنا
محاور إضافية
 
 مجالس التذكير
 الشهاب الثقافي
 في ظلال السنة
 دراسات شرعية
 دراسات
 ترجمات ومراجعات
 عبر التاريخ
 مكتبة الشهاب         الإلكترونية
 صوتيات ومرئيات
 ما العمل بعد العراق؟
 رمضان كريم
 في آ’فاق المراجعات
 
 
 في الذكرى العشرين لاعتماد الجبهة الاسلامية للانقاذ (4/4)
قضية للنقاش

عباسي مدني ، جبهة الإنقاذ ... ونهاية التاريخ !

ربيع بشاني / كاتب مستقل

مع الحل السياسي ، لا تنديد بالعنف !

محطة الصراع الأخيرة التي أثبتت أن عودة جبهة الإنقاذ بشكلها، وحجمها، ومنهجها القديم ضرب من المستحيل ،حتى وان أيدت السلطة التي تصر أن ( ملف الفيس أغلق) عودتها هذا المحطة تزامنت مع اقرار ميثاق السلم والمصالحة مع سنة 2004/2005...لإنهاء الأزمة ،والذي أتى على ما تبقى من بيت الفيس ،جماعة دهينة التي أصبحت تتكلم بشكل فردي دون تنسيق غير منظم ، فعباسي يصرح لوسائل الإعلام كما يشاء ،دهينة يعبر عن وجهة نظر حركة رشاد ،علي بلحاج أصبح له هيئة إعلامية كحزب تماما، يعبر عن مواقف فردية ، يستطيع أي كاتب أو شخصية التعبير عنها ، داخل أطر قانونية ، بقايا هذا التيار رفض الميثاق ووصفه عباسي يومها''بالنفاق''، وأوضح زملائه انه فيه ظلم ،لاسيما حين حمل مسؤولية الأزمة لطرف واحد ، ومنع على قادة الإنقاذ ممارسة السياسة ، ولكن رغم صحة وجهة نظر هذا التيار فيما يخص الميثاق الذي عالج مخلفات الأزمة وفق نظرة أحادية ، وبجرعات استئصالية لم تخفى على كثير من المتتبعين المحايدين، فيها كثيرمن الزيف والمغالطات ،وهظم حقوق الضحايا لاسيما المفقودين في معرفة مصير ذويهم، كما تقول كثير من الشخصيات الوطنية كمهري وايت احمد.

إلا أن اتجاه عباسي لم يعبر في الحقيقة عن وجهة نظره الصريحة ،فيما يخص آليات إنهاء العنف ووقف العمل المسلح، ولو بدعوة للعناصر المسلحة لوضع السلاح ،وبقي يعيش التناقض والحيرة،ففي الوقت يرفض فيه إدانة أعمال الإرهاب ، ويرى أن هذا يخدم النظام ، (رغم أن أطراف في النظام، كانت تشملها الإدانة بشكل غير مباشر...) في نفس الوقت وبغرابة يتمسك بإلزامية الحل السياسي الشامل، وهي كلمة حق ولكن كان يجب تسبقها مواقف، وعملية بناء الثقة ،بعيدا عن مطالبه التقليدية التي لا تقدم حلولا للوضع الأمني... جماعة عباسي ترى أن الحل يجب أن يكون سياسيا شاملا ( احترام الدستور ،الفصل بين السلطات ، إجراء انتخابات نزيهة ،التداول السلمي على السلطة) وهو ما تقول به شخصيات تاريخية ثقيلة مثل مهري وايت احمد مند عشر سنوات ودفعت لذالك ثمن حصار سياسي وإعلامي....، وهذا التيار يدعو لعودة جبهة الإنقاذ ، ولا يملك رؤية أو قوة أو آلية فعالة لإقناع الجماعات المسلحة التي ترفض الحلول السياسية ولو كانت شاملة وتكفر الفيس....حتى أن جماعة مراد دهينة التي كانت تتحرك بتزكية من ''الشيخين'' و التي نظمت مؤتمر بلجيكا في اوث 2002 ،أعلنت في إحدى توصيات وقرارات المؤتمر حسبما ذكرته ( صحيفة عمومية) رفضها لما أسمته العنف العشوائي ،لكنها أقرت'' مبدأ الجهاد في حالة الدفاع عن النفس'' وهي عبارة مطاطية ،غامضة، وأعطت طرف شرعية استمرار العمل المسلح..كما منحت طرف اخر نقاط مجانية ودليل على صدق اتهاماته لجبهة الإنقاذ بتأيد ودعم العنف، لقد علقت تلك الصحيفة بقولها( أن هذا تبني للعمليات الإرهابية....)على اية حال هذا التيار كباقي تيارت المعارضة الفاعلة رفض تزكية أي مرشح للانتخابات الرئاسية مرتين..

جبهة إنقاذ ، أم جبهة بوتفليقة ؟

أما الطرف المناوئ الذي يتزعمه رابح كبير مضى في الانبطاح ما شاء ، والانفراد بالقرارات ، ، فقد أيد الميثاق، وروج له مع مدني مزراق دون التحقق من تطبيقه ،ومعالجة كل ملفات الأزمة، وقام بتزكية بوتفليقة لعهدة ثانية 2004 (أملا في منحه فرصة أخرى للانتقال من الوئام للمصالحة...) وعلى ذكر مدني مزراق فقد تسابق بمفرده بعيدا عن الجبهة الإسلامية لإصدار بيان مساندة لبوتفليقة بتاريخ 03/04/2004 ومما جاء فيه ( لقد كان لبوتفليقة الشجاعة والجرأة والشرف في تبني خيار المصالحة وإعطاء الهدنة بعدا سياسيا وقانونيا ،مهد للوئام وتصالح بين الجزائريين يقضي على جذور الأزمة وأثارها ويؤسس للعيش في عزة وكرامة داخل الوطن ) والملاحظ أن هذه لغة بعيدة عن لغة عباسي ، و تناقض جذريا موقف علي بلحاج ،ولا تتطابق مع كثير من طروحات العديد من قادت تيارات الإنقاذ... وفي تجمع شعبي يوم 26/09/2005 خصص لترويج ميثاق السلم قال مدني مزراق بالحرف الواحد '' وقوفه إلى جانب السلطة حتى وان حكمها الارندي''

وهو نفس موقف السلفيين المؤسسين ''جماعة العاصمة'' ، الذي يتباين مع موقف السلفين المؤسسين ''جماعة الشرق'' الذين قاموا بتزكية بن فليس كما أسلفنا ،ونزل ربح كبير الى العاصمة رفقة فريقه سبتمبر 2006،وكان مما صرح به انه '' لا يريد دولة طالبان في الجزائر'' ، ودعا عكس التيار المناوئ له المتحفظ المسلحين في الجبال ''إلى وضع السلاح والثقة بالسلطات'' ، وخلال الندوة الصحفية 18/09/2006 التي عقدها بالعاصمة ابدي نيته في تشكيل حزب سياسي خارج إطار الجبهة الإسلامية وفي إشارة مميزة قال ( جئنا بروح طيبة لنصحح الأفكار وان الوقت لم يعد لاحتكار الإسلام )، ويدعو السلطات مع مدني مزراق لتأسيس حزب جديد ، وفي ندوة صحفية ثانية يوم 29/10/2006 أعلن رابح كبير بمعية كرطالي ومزراق ومصطفى كبير ( معارضته لقيام دولة دينية وان أسلوبه في العمل السياسي تطور) وقال بصريح العبارة ( حتى لو وافقت السلطات على عودة الجبهة الإسلامية سأرفض فالجبهة تجربة آدت ما عليها وانتهت ولا يمكن استنساخ تجربة مماثلة ) ولم سأل عن علي بلحاج قال ( أخونا ونحبه لكن نختلف معه سياسيا) ولكن بعدها تبخر المشروع ،بحيث تحدثت بعض الصحف عن خلافات بين كبير ومدني، الذي كان يدفع بعناصر الفيس وهو نفسه للمشاركة في الانتخابات التشريعية 2007 في قوائم حزبية وسابقا أعلن دعمه ما سماه ''لشرفاء الافلان'' وقد كان في صراع شديد مع أنصارهم بجيجل بداية التسعينات... وكان عدد من قيادات ومناضلي جبهة الإنقاذ ترشحوا في انتخابات 2002 في قوائم النهضة والإصلاح لكن وزير الداخلية زرهوني قام بإسقاط أسمائهم ، وفي اكتوبر2005 كان مدني مزراق وهو يزور قطر ،حسبما صرح للصحافة يأمل '' مشاركة قياديين في الفيس في حكومة مقبلة التي كان يجري الحديث بشأنها في الأوساط السياسية والإعلامية ، وخلال سنة 2006 كان الحديث يجري بقوة عن ترشح مدني وعدد من قيادة جيش الانقاذ ، في الانتخابات التشريعية على قوائم جبهة الوفاق الوطني لكن حدث خلاف بينه وبين رئيس هذا الحزب علي بوخزنة...،وحين فشلت جميع خطابات الغزل السياسي ذهب مدني بعيدا حين أعلن في نهاية مارس 2007 بدوره عن التحضير لمؤتمر تحسبا لتأسيس حزب سياسي، قال انه قريب من الجبهة من حيث معانيه وبعض رجاله ولكن بعيد من حيث التسمية ،و يكون مطعما بوطنيين وان السلطة على علم من المشروع ، قبل سنتين لكن تراجع عن إطلاقه مؤقتا ( نزولا عند رغبة رجال في النظام) ، ،وقد يعزى الخلاف في الأخير بسبب من له حق القيادة لسياسي ظل يتبختر، ويتقعر في كبرى العواصم الأوربية ،أم لأمير جيش ''مزعوم'' محل رضى الاستخبارات ، حيث أثبت الواقع أن أهم الأسباب التي ساهمت في تصدع الأحزاب الإسلامية في السنوات الأخيرة في الجزائر التطاحن على الإمارة التي نصت السنة على أنها لا تعطى لطالبها ،واستحسنت الأحاديث الشريفة على وجوب تركها...

الحقيقة فيما جرى إن زيارة رابح كبير وتصريحاته ، وتزكيته بمعية مدني وقادة آخرون لعهدة ثانية لبوتفليقة ،وهو ما فعله جناح من حركة النهضة سنة 1999 وتسبب في انشقاقها.. ،زاد الشرخ بين قيادة الإنقاذ ،ولا يستبعد أن مراكز القرار استدرجت مدني وكبير واتباعهما لتأييد مشروع الرئيس مشروع المصالحة وفتح لهما مساحات إعلامية وسياسية محدودة للتعبير أو بعبارة أدق التلاعب بهما، نظير عهود شفوية غير مباشرة ،بإمكانية (الموافقة على حزب جديد) تبعا لما أصطلح عليه (الشق السياسي في الهدنة) فيما كانت جماعة جدي وعلي بلحاج وعباسي فيما يبدو رافضة لتأسيس مثل هاته الكيانات الجديدة المنسلخة عن الجبهة ،ومما قاله بوخمخم في تصريح صحفي ( ليس من حق مزراق أن يؤسس حزبا باسم الفيس ، وان مزراق لم يكن يوما على نفس الخط مع قيادة الفيس حتى يخرج منها ) ورأت جماعته أن هناك طبخة يعد لها كبير مع السلطة على ظهر الجبهة الإسلامية للإنقاذ .

صحيح أن إحداث مرجعات ،والتخلي عن منطق المغالبة التدميري ،شيء ايجابي غير أن التخلي عن الأفكار المتشددة ،لا يلزم بالضرورة ،تأييد مشاريع غامضة والارتماء في أحضان سلطة ،لا تتكلم الحقيقة ،لا تقدم الحلول العادلة اللازمة الأمنية، وحقوق الضحايا ، مع التخلي مطلقا عن المعارضة السياسية السلمية ، التي تطالب ،وتناضل، وتحاجج النظام ،وتجعل بذكاء سياسي ''النص الدستوري'' ،بما يكفل من حرية ،وعدالة ، وحقوق وقواعد، حجة على السلطة ، دون أن تلجأ لأساليب التهديد ، أو تسقط في دائرة الاستفزاز المبرمج ، أو الدعوة لمحاكمة النظام ،بشكل فضفاض عمومي، يؤجج الشارع ، ويدفع به للاصطدام مع ،قوات الأمن في حلقة دموية مفرغة.... وهذا الفخ الذي سقطت فيه زعامات الإنقاذ يوم تأسيسها...وفي هذا السياق أكاد أجزم أن حركة النهضة بخطابها، ونشاطها ،طوال الأزمة الجزائرية، أوشكت أن تظل الحزب الإسلامي المثالي التي رفض التشدد و العنف في العمل السياسي، بالتوازي مع التمسك بمعارضة فعلية ورفض مباركة مشاريع السلطة ، لولا ما حدث سنة 1999، من انقلاب فجائي،وانبطاح نظير مناصب وزارية ودبلوماسية... والقصة معروفة.

مدني مزراق ، أنور هدام ،واللاعودة

وخلال هذه الفترة نجد مدني مزراق يعبر عن أفكاره، ويجدد اتهاماته في الرسالة السرية التي اشرنا إليها سنة 1995 لجماعة العاصمة،بعدم إيجاد حلول للازمة والالتزام بالصمت ففي جانفي 2007 صرح مزراق لصحيفة ''الخبر الأسبوعي'' وأطلق النار على تلك الجماعة بقوله( إن شيوخ الفيس أضاعوا فرصة تاريخية لإيقاف نزيف الدم عام 1994 ) و(أنهم لم يتمكنوا حتى من تحرير بيان ينددون فيه بالتجاوزات التي وقعت في تلك الفترة ) وكأنه يقول لهم مجددا، نيابة عن السلطة التي وعدته '' الحزب'' لا حق لكم في العمل السياسي، ورد بوخمخم عن تلك الاتهامات في نفس الصحيفة بقوله ( نشتم من تلك الأحكام الجزافية رائحة المكر والحقد والغش السياسي مثل قولهم إن للجبهة الإسلامية جناحا مسلحا ) مهددا في حواره بمقاضاة مدني مزراق ، ونحن بدورنا نشتم من تلك الاتهامات المتبادلة والألفاظ المستخدمة أن التهارش الذي يحدث بين بقايا حزب ،إنما يذكرنا بما قرأناه عن ما كان يجري من خلافات ،وصرعات طاحنة بين مختلف ممثلي الأجنحة المنشقة في الأحزاب ''الستالينية'' خلال الستينات والسبعينات في الوطن العربي، وتحديدا في العراق ،وسوريا ولبنان ،ومصر وأوربا الشرقية... وقبل هذا بما حدث داخل الأحزاب الإسلامية عندنا (النهضة ،الإصلاح ،وأخير حمس ) وصدق الشاعر احمد مطر حين مضى يقول في إحدى لافتاته الشهيرة التي تعجبني : أكثر الأشياء في بلدتنا /الأحزاب والفقر/ عندنا عشرة أحزاب ونصف الحزب/ في كل زقاق/ كلها يسعى إلى نبذ الشقاق/ كلها ينشق في الساعة شقين/ وينشق على الشقين شقان/ وينشق عن شقيهما/ من اجل تحقيق الوفاق!!.

وفي جانفي 2007 أعلن أنور هدام رئيس البعثة البرلمانية من أمريكا، تأسيس تشكيلة جديدة اسماها ( حركة الحرية والعدالة الاجتماعية) ، وهي كما أعلن في الحين (فريق عمل سياسي تنشط انطلاقا من الجزائر وتسعى لتفعيل عملية المصالحة الوطنية وترقيتها للم شمل الشعب ودفن الأحقاد وطي صفحة الماضي وإخراج البلاد من أزمتها) وكان أنور هدام في حوار مع جريدة الخبر في 12/012/2006 قال بالحرف الواحد ( انه يريد تأسيس مشروع سياسي يمييزنا عن الجبهة ولا ننتظر ضوءا اخضر من قيادتها للتحرك) وحين يقول يمييزنا نفهم تيار البناء الحضاري الذي ينتمي اليه ، واصدر أنور هدام عدد من البيانات باسم حركته الجديدة ... ونذكر أيضا انه خلال السنوات الأخيرة كانت لقادة الاتجاه الحضاري عدة كتابات ، فيه نوع من العتاب واللوم لمنهج وخطاب عباسي مدني وجماعته، في إدارة الأزمة لاسيما منظر التيار،الأستاذ عبد العزيز شوحة الذي كانت له مساهمات يقول في إحدى كتاباته( إن الشيخ عباسي مدني عن غير قصد أقحم الجماعة في ميدان العمل السياسي والمواجهة مع السلطة بعد أن كانت الجماعة تعول على العمل النخبوي والفكري والاجتماعي دون الصدام مع السلطة ، وفيما يلي مقطع من مقال لنفس الكاتب كتبه عن مواقف زعماء الفيس المنحل من الجزارة ( محمد السعيد لم يكن متحمسا للعمل السياسي وقد ذهب ضحية حماقات الشباب المتحمس الذين أقحموه في تبني مواقف الفيس ، أولئك الذين افسدوا على الناس دينهم ودنياهم ...ومشروع الجبهة الإسلامية كان ثورة فوضوية فاشلة ، صحيح أنها وقفت في وجه التيار التغريبي ولكنها حرفت الحركة الإسلامية في الجزائر عن مسارها الحضاري وأقحمتها الميدان السياسي دون قواعد وسلوكيات العمل السياسي وما يتطلبه من أناة وتريث ودبلوماسية وقدرة على المناورة وتتجنب الارتجال ....) يدعو الأستاذ رجال تيار البناء الحضاري لترك ( ساحة الدجل السياسي والعودة إلى مواقعهم لاستمرار رسالتهم في البناء الحضاري للمجتمع الجزائري)

التعصب الحزبي ، المغالبة ، والمنطق التدميري

من خلال تتبعنا لمجرى الصراع بين قادة الصف الأول في الجبهة الإسلامية ، نرى مدى التلاعب والاستخفاف بعواطف المناضلين البسطاء ،الذين كانوا يأملوا في دولة عادلة على الأقل ، يحييدون بها على الأقل سطوة النظام الأحادي الذي سلب حقوقهم ، و سطا على مبادئ ومغانم ثورتهم المجيدة(نوفمبر54 ) ،الآن فوق بقايا الأنقاض، نتساءل لم تصر بعض القيادات بفكرها الأول ،وأدواتها النضالية القديمة تحقيق'' مشروع الدولة الإسلامية '' كما بدأ أول مرة ،ولكن فوق حطام جبهة الإنقاذ ذاتها، بالتعويل على الرعاع والتحاكم إلى '' غثاء السيل'' بعد أن عجزت في السنين الأخيرة عن نشر خطابها ومشروعها، والدعوة إليه مجددا ، بوسطية ولغة جديدة مؤثرة ، من منبر مسجد، أو منتدى أو جمعية أو صحيفة، أمل كثير من هؤلاء العودة إلى المربع القديم ،وملاحقة السراب ، أليس منطق العقلاء ( والجزائر تحترق ،وتحترق...) الاعتراف بالأخطاء،وبحث سبل إيقاف الدماء ، ومحو أثار الكراهية والحقد ، الذي استوطن القلوب ، بسبب التعصب الحزبي الذي انتهى إلى الاقتتال....

الملاحظ أن الصراع، انتقل تدريجيا من خلاف في وجهات النظر، بشان قضايا ،ثم إلى مناهج ووسائل وأهداف العمل السياسي ، نهاية بالانقسام والفراق ،والدعوة لتأسيس كيانات جديدة مستقلة عن الجبهة بما يعني الطلاق، والتي لا يمكن احد من القياديين نفيها أو القول بأنها تعبيرات فردية لا تهم جبهة الإنقاذ ،لأن المنشقين والخارجين، قادة الصف الأول كرابح كبير وانور هدام هم من قادوا جبهة الاتقاد للفوز المدوي الذي أرعب النظام بانتخابات 26/12/1991، ورابح كبير نفسه يرفض عودة الجبهة ، فيما كانت جماعة عباسي التي تناوئهم في السجون أو الخارج ، كما أن القائلين دائما لاسيما دائرة عباسي وبلحاج أن (الجبهة بخير،وان مثل هذه الخلافات ،والآراء ،تأكد التنوع الفكري) هم واهمون أو ( أن الحديث باسم الجبهة منوط بالقيادة التاريخية ) أو الإصرار بعد كل هذه الدماء التي أريقت والفتن التي اشتعلت والأحقاد والكراهية التي استوطنت قلوب المواطنين، على وقع التعصب الحزبي المقيت الذي يأباه علماء السلف والخلف ( أن الجبهة الإسلامية واقع شعبي وخط سياسي متجدر في المجتمع ،وان السلطة تدرك مدى شعبيتها وثبات قاعدتها وإطاراتها )، لا يؤمنون بسنن الحياة ، والآية القرآنية الكريمة التي تقول ( فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) .

وأتحدى هؤلاء وأنا العبد الضعيف الذي يخط هذه السطور من قريتي الجبلية ،وقد عشت ادوار الصراع الدامي إلى اليوم على عتبة باب داري ،ولست متحزبا ، ولا سلفيا بالمفهوم المذهبي السائد هذه الأيام .. أتحدى أصحاب هذه الأطروحات الذين يريدون إرجاع عجلة التاريخ إلى الوراء ، أن يفتحوا مكتب واحد في أي بلدية أو قرية باسم جبهة الإنقاذ ،إن أعيد اعتمادها في الظروف الراهنة أو حتى بعد عشرين عاما.. فالقرى أفرغت وهناك تحول ديموجرافي في المدن شكله النزوح ،واتى على تغيير الدهنيات والأفكار والكثير من المواطنين المتضررين تأكدوا من عبثية العمل الحزبي في علاقاتهم مع الناس وتنحصر خيارات وطموحات الجيل الجديد من الشباب الذي كانت نشأته ،مع ولادة الفيس ( 1989/عشرون عاما/2009) ولا يعرف هؤلاء الكثير عن الحزب المغمور،ولا تغريهم السياسة بشيء ،فيما تنحصر أمالهم عموما في الاتجاه نحو التدين أو الاحتراف العسكري وإما التحصيل العلمي،فيما طغت مجريات'' الكرة'' على هامش اهتماماتهم، الذين باستطاعتهم أن يركبوا الموجة مجددا هم المجانيين والانتهازيين !

يجب أن يستفاد من تجربة الإنقاذ أيما استفادة ،سواء على مستوى الحركة الإسلامية التي تحركت نحو الهاوية ،أو على مستوى الدعوة الإسلامية التي أجبرت على التراجع والانكماش حتى في معاقلها بالمساجد ،ذالك انه من أسباب مأساة الحركة والدعوة معا، التي انتهى بها إلى الانشقاق والخلاف والانكماش، التشدد والغلو ، حتى لا أقول التطرف ومنطق ( المغالبة ) التدميري الذي بعد أن صدم جبهة الانقاذ مع السلطة ، ودفع النظام للانتقام من بعض التشكيلات الإسلامية.. ،والدعوة على مستوى المساجد بطريقته ...أتى على بنيان الجبهة، فالنظام مهما بلغت مساوئه لم يعلن كفره ،ورجال السلطة رغم سياساتهم الفاسدة التي أهلكتنا دهرا ولا تزال ،يدعون تمسكهم الإسلام.. وليس المجتمع الجزائري بداية التسعينات أمام خصوم مشركون كما كان الحال مع بداية دعوة رسولنا الكريم ، وان كثير من الآيات القرآنية والفتاوى والنصوص الفقهية التي تصدرت خطب قادة الإنقاذ وكتاباتهم ، فيها إسفاف وابتذال وجهل بواقع الحال ،غطته العصبية الحزبية والعاطفة ، ثم غرفت من هذا القاموس وطبقته 'الجماعة المسلحة' التي ينحدر قسم من عناصرها من جبهة الإنقاذ ( احد قادة الجماعة السلفية التائبين في مدينة باتنة يقول مؤخرا أن يخلف شراطي قيادي في الفيس وراء فتاوي التكفير) تضمنت إسقاط خاطئ للوضع القائم ،فالعديد من المصطلحات المستخدمة ضد السلطة ، لم تكن بنفس المطابقة والتفسير الذي أعطي لها في القرآن الكريم ، وتوظيف فتاوي العلماء وتحديدا ابن تيمية ''المفترى عليه'' ، لا تساير واقع الحال، فقلت منطق المغالبة والتشدد الذي ترجمته مواقف ( إضراب مفتوح ، لا حوار إلا بموافقة القيادة الشرعية ، لا دعوة لإيقاف العمل المسلح إلا بحرية..) هو الذي أدى أولا إلى تفتت هذا الفصيل الإسلامي ، ودفع بعض القيادات في الجبهة إلى التراجع بعد ان وجدت باب العمل السياسي مغلق ،وفق المفردات والمبادئ التقليدية، ولكن كما قلت سابقا تراجعت هذه القيادات للأسف نحو الميوعة والانبطاح..ولم تتراجع الى الخطوط المعقولة في العمل السياسي.

كل حزب بما لديهم فرحون...

مراد دهينة دخل بيت حركة رشاد التي تندد بالإرهاب ،وتدعو إلى التغيير السلمي ، مدني مزراق تخلى عن العمل المسلح ، ولا يترك فرصة أو سانحة إلا ويطبل لحزب جديد بعد أن توفي صديقه إسماعيل العماري الذي وعده بتطبيق الشق سياسي من اتفاق الهدنة.. ربما لن يجد النصاب الكافي حتى لجمعيته التأسيسية ،بعد أن تبرأ معظم جنده منه تحديدا...عاد رابح كبير إلى مأمنه ومخبأه الوثير في ألمانيا ، في انتظار إشارات جديدة تصدرها السلطة في موعد زفاف جديدا لها ، جماعة العاصمة لا تتكلم ،إلا بإيعاز وموافقة عقدة( القيادة التاريخية) وظل عباسي مدني يردد من منفاه الاختياري، عبارات غير مفيدة، لا تقدم المأمول ( مازلت أجاهد ،أكافح بقلمي ، لا يمكن لأحد القضاء على جبهة الإنقاذ) !! ،كما ظل علي بلحاج يلاحق الأحداث بتنظيراته ،وتعليقاته ،التي لا تصنع له تميزا ولا مجدا ،بعد أن أصبح الكل في الجزائر يجيد القول ،ويحسن صياغة الاتهامات شرقا وغربا، والكل يغني على ليلاه...

وهو لا يعي في الحقيقة أن الجزائر بعد أن غرقت في الدماء والفتن لا تحتاج إلى قلم ، لا يدبج بيان أو مبادرة توقف الدماء التي تنزف فورا ،ولا لقيادة الجبهة المتصارعة ، ولا أيضا لرجال النظام الذين تسببوا في المأساة(...) بل إلى جيل جديد ، ينشر السلم، ويقيم دولة العدالة، دولة المؤسسات ، ويبني البلاد بعيد عن التعصب والولاء الحزبي ،أو الاستبداد السلطوي،الذي يشجع الزبائينية والفساد ،فالذي تسبب في المأساة من هنا وهناك لن يجد أحدا يسمع له أو يصفق له أو يؤيده ، وليوظف في مشروعه الآيات القرآنية ما شاء أن يوظف ، وليظهر طائرا في الفضائيات ما شاء أن يظهر، وليعيد ترديد الشعارات من قبيل ( ياعلي ياعباس الجبهة راهي لباس )أو من جهة أخرى ( جزائر الكرامة والمصالحة) إلى إن يسمعه رواد الفضاء والذين يطمحون في تعمير المريخ في السنوات القادمة ، واني أشير في نهاية هذه الحلقات والله يشهد ما أردت الإساءة لشخص أو هيئة ، وقد ابتعدت عن التجريح والشتم والأحكام غير مسندة ، وأسندت جل تحليلي لتصريحات ومواقف وأقوال واضحة وموثقة.

إني حاولت إنصافا للتاريخ ، تبصير المغفلين ، وتقديم النصح للعقلاء، والقول ( بان النظام المستبد الذي جثم على صدر الأمة منذ الاستقلال، لن يعفي بأية حال من الأحوال ، المسؤولية المشتركة معه لجبهة الإنقاذ عما حدث من مأساة..) ولله الأمر من قبل ومن بعد.


(*) كاتب مستقل
rabechani@yahoo.fr



صفحة للطباعة أرسل هذا المقال لصديق
 
الحد
  
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشهاب للإعلام
المقالات تعبر عن آراء كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
لأفضل استعراض، الرجاء ضبط دقة الشاشة على: 1024 × 768 نقطة




Powered by the AutoTheme HTML Theme System