بقلم بلكبير بومدين(*)
تعيش مجتمعاتنا مرحلة عسيرة جعلت منها كائنا عاجزا عن مسايرة ركب المجتمعات الأخرى المعاصرة لها، مما جعل الكثير من أبنائها عاجزين عن مقاومة الوضع منسحبين حتى من التفكير في كيفية النهوض والتقدم إلى الأمام، وهذا ما زاد من تعقد المشكلة وجعلنا أسرى جمودنا ونظرتنا القاصرة التي تفتقد لأي رؤية سليمة، إذ أن الدافع في نشوء و انبعاث الحضارات منذ أكثر من ستة ألاف سنة كان تحدي أبناء هذه الحضارات لنكباتهم وأزماتهم و انهزامهم في الحروب و ما تعرضوا له من استبداد و اضطهاد… والأمثلة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ،وهذا ما يذهب إليه المفكر و المؤرخ الانجليزي المعروف جون أرنولد توينبي Arnold TOYNBEE الذي يرى أن كل هذه التهديدات كان لها الدور الأهم و الأبرز في استنهاض الحضارات المختلفة و الارتقاء بها من خلال استجابة أبنائها بنجاح لتحدي أو مجموعة من التحديات.
قد يبدو هذا التقديم للوهلة الأولى يكتنفه الكثير من الغموض والاستفهام لكن مجرد إلقاء نظرة على واقعنا بإمكانها أن تزيح الكثير من اللبس والعجز عن أذهاننا، دون مبالغة فقدنا جزءا مهما من شخصيتنا ومجتمعاتنا تمحى بدرجة كبيرة من المساهمة في حركة التاريخ الإنساني، فهي عاجزة حتى عن الحركة لا تقوم إلا بإنتاج و إعادة إنتاج قيم التخلف والانسحاب ،فقدنا كل أدوات الفعل والتغيير، ببساطة جلبنا على أنفسنا عوامل التحلل و الاندثار إننا نوشك على الانهيار ،لان كما ذكر احد المفكرين السياسيين المجتمعات التي لا تمتلك وسائل التغيير لا تمتلك بالضرورة مبررات وجودها وبقائها ،وهذا ما يسميه توينبي زمن الاضطراب ويرجع أسبابه إلى :
- قصور الطاقة الإبداعية في الأقلية الحاكمة.
- عزوف الأغلبية عن محاكاة الأقلية بعد أن فقدت الأخيرة مبررات الاقتداء بها .
- فقدان التماسك الاجتماعي سواء بسبب انشقاق الخارجين أو سخط المحكومين ."
وكأن ارنولد توينبي بتشخيصه الدقيق لأسباب التحلل طبيب عارف بكل عضو من أعضاء جسدنا المصاب، فمن يحكم يلغي كل انجازات ما قبله ويبدأ الانطلاق من الصفر لأنه يساوي الصفر، لا يرى إلا صورته معلقة في كل مكان و لا يسمع إلا صوته، يبحث عن المبررات لتصرفاته لا عن الحلول لمشاكل مجتمعه و لا يولع إلا بالغالب ،فيقع بذلك في فخ الإتباع و التقليد بدلا من الإبداع و التجديد.ما يجعل الأغلبية المحكومة تفقد الثقة في أي مبادرة تأتي من عند الحاكم وتسير تدريجيا نحو الحنق و التململ ثم الإحباط و فقدان التماسك عن طريق الخروج عن المجتمع سلميا أو بتبني العنف كخيار.
بالرغم من قوة التحدي الذي تعيشه مجتمعاتنا فان مدى توجهه ودرجة استفزازه للفرد أو الجماعة و الاستجابة الناتجة والموقف المتخذ لا تتناسب مع هذه القوة و الأهمية ،وهذا راجع حسب مالك بن نبي لفقدان" العمل في طريق التغيير الاجتماعي الذي يغير الفرد من كونه (فرداIndividu ) إلى أن يصبح ( شخصا Personne) و ذلك بتغيير صفاته البدائية التي تربطه بالنوع إلى نزعات اجتماعية تربطه بالمجتمع"،وبالتالي كانت استجابة أغلبية أفراد مجتمعاتنا منعزلة ومنعدمة التأثير و بلا جدوى ظهرت في شكل مجموعة من الفئات ، الفئة الأولى سارت في فلك الحاكم والسلطة إن أحسن أحسنت و إن أساء أساءت، فهي تارة تساند وطورا تتبع و آخر تتبنى وهكذا ... والفئة الثانية منهكة و مهتلكة جراء الوضع العام المعاش معتقدة ومؤمنة بعبثية و لا جدوى أي شيء يقوم به النظام الحاكم أو المعارضة إن كانت موجودة، فهي فئة لا مبالية فاقدة لأي أمل في تغيير الوضع وتحسينه ، أما الفئة الثالثة اختارت الانسحاب و لكن من نوع آخر من خلال الهجرة إلى أوطان أخرى غالبا ما تكون رافضة لها، لكنها تتحدى حتى على حساب كبريائها وشرفها لأنها تحس أن وطنها لفضها وتخلى عنها، إذ أن الغنى في الغربة وطن و الفقر في الوطن غربة على حد قول علي كرم الله وجهه ،وقد يتخذ انسحابها بطريقة قانونية وشرعية في صورة استكمال الدراسة آو القيام بالعمل مهما كان مستواه...أو بطريقة غير قانونية و غير شرعية في شكل الهجرة في قوارب الموت، كما هناك فئة أخرى قررت الانشقاق و الخروج عن المجتمع باختيار العنف وإرهاب المواطنين كمنهج لا تحيد عنه غالبا ولا تتخذ له بديلا، على اعتبار أنها الفرقة الناجية التي تمتلك الحقيقة المطلقة وان البقية هم طواغيت مآلهم جهنم وبيس المصير، إلا أنها فقدت جذبتيها في السنوات الأخيرة في الاستقطاب والتجنيد ما جعلها تعيد مراجعة حساباتها و تتجه للعديد من الأساليب من بينها العمليات الاستعراضية و تجنيد الأطفال غير البالغين في صفوفها .
إن الفئات الأربع السابقة الذكر التي كانت استجابتها لتحدي التغيير فاشلة و غير فاعلة و التي جعلت من مجتمعاتها راكدة بسبب عجزها وعدم جاهزيتها للتحمل و التصدي لا تمثل كل الصورة ، إذ لا يمكن أن تكون وجهة نظرنا قاصرة عليها فقط ، بل هناك فئة أخرى يمكن نطلق عليها اسم فئة الريادة، تنبعث كالفينق من تحت رماد تخلفنا عن ركب الحضارة و التقدم ، إنها فئة قليلة العدد منتشرة في كل جزء من أجزاء مجتمعاتنا تعمل في هدوء لا تتراجع أبدا تسعى بإصرار لزيادة طاقتها حتى تكون كافية لدفعها إلى نشوء إجابة فاعلة ومتناسبة مع أهمية التحدي وقيمته.
(*) أستاذ بجامعة عنابة وعضو الاتحاد الوطني للإطارات من اجل الجزائر
ecocastle2006@yahoo.fr
صفحة للطباعة
أرسل هذا المقال لصديق