أو مقامات الجامعة بين العلامات و المعلومات و العلم
د/مصطفى بن حموش (*)
تقول الحكمة أنه في الجامعة نأخذ الدروس و المحاضرات و المعلومات ثم نمتحن فيها، أما في الحياة فإننا نمتحن بشتى الابتلاءات ثم نأخذ منها الدروس. و لذلك فإن الامتحانات في الجامعة لا تعدو أن تكون تأهيلا لتلك الابتلاءات و المشكلات الحقيقية غير المتوقعة التي ستواجهنا في حياتنا العملية. و من هذه الزاوية فإن العلامات و الشهادات التي نحصل عليها في الجامعة ما هي إلا مؤشر احتمالي غير قاطع لتأهلنا لمواجهة تلك المشكلات الحقيقية غير المتوقعة. فتعوّدنا في الامتحانات على الإجابة على ما أخذناه من قبل، و رفضنا لأي سؤال خارج المقرر، يجعل نجاحنا افتراضيا، حيث يقلّل من الضمانات التي يقدمها لنا فوزنا و نجاحنا الجامعي في مواجهة الواقع الحقيقي الذي من طبيعته أن يضعنا في مشكلات لم يسبق أن واجهناها. و بقول آخر فإن كلا من العلامات التي أخذناها و الشهادات التي تبعتها كاعتراف بذلك الاستحقاق ستمتحن عند أول يوم من التخرج في العالم الواقعي، لنتأكد هل تخرجنا من الجامعة بعلم و معرفة و حكمة و عقل مؤهل أم بمجرد علامات و شهادات.
من المؤكد أن هناك علاقة حميمة بين المقامات الثلاثة و تكاملا فيما بينها فيما يعرف بالتكوين الجامعي. و لذلك فإن ما يهمّنا في هذا المقال، هو ما بينها من روابط عضوية و تكاملية، و في المقابل ما لغياب هذا التكامل من تبعات غير مرغوبة و تشوّهات خلقية في منتسبيها و مخرجاتها.
من الطبيعي أن لكل من هذه العناصر أهميتها، لكن التفاوت بينها لا يمكن تجاهله. فالعلم بديهة هو رأس الهرم، و هو أساس الجامعة التي تكون له مثل الوعاء. و هو الهدف الأسمى الذي يعيش له كل من ينتسب إليها أو يقصدها. و المعلومات هي الأجزاء التي يتشكل منها العلم يوما بعد يوم ، حيث يكون تراكمها ثم ترتيبها و تصنيفها وفق منطق معين هو الذي يؤدي بالمنتسب إلى أن يُلِمّ بجوهر الأشياء المتناثرة و ماهية الوجود فيكون عالما و حكيما. و لذلك لا يعقل أن يكون هناك علم بدون تراكم المعلومات و المعارف، و لا مقام لعالم دون مثابرة على الجمع و التصنيف، و التحليل و التركيب، و الحفظ و التفكير. أما العلامات فهي المؤشر الداخلي الذي يساعد على قياس مدى كفاءة مخرجاتها، و نقصد هنا الطالب و استحقاقه، و من ثم تأهله لتحمل أعباء المسؤوليات المجتمعية بعد التخرج. إنها كذلك اعتراف بالتأهل لتحمل المسؤولية و أمانة المعرفة و الحكمة، و بالتالي إجازة صاحبها بالتصرف وفق مقتضياتها. إنها كذلك الحاجز الذي يمنع العاثرين من دخول عتبة العلم المقدسة.
أما التكامل فيما بين المقامات الثلاث ففي أبسط أشكاله أن تكون الجامعة عبارة عن مكان يتلقى فيه الطالب معلومات متعددة و متخصصة، تقدمها الجامعة كمنظومة مركبة من أساتذة و إدارة و موارد مادية. فتتحول تلك المدارك والمعلومات بفعل الربط المتواصل إلى معرفة علمية متناسقة و متكاملة، تشكل في النهاية شخصية المنتسب و فكره و تصقل سلوكه. و من البديهي أن يكون النظام التقييمي هنا هو المصفاة التي يتم من خلالها تقييم المنتسبين و تصنيفهم وفق كفاءاتهم في الاستيعاب و تبوء مرتبة العلم.
لكنه من الضروري لإتمام إدراك قيمة ذلك التكامل، تصوّر حالات التصدع بين المقامات الثلاث: العلامات و المعلومات و العلم، مما يؤدي إلى اختلال توازن المنظومة الجامعية و التعليمية. و لعل أوضح حالة انفصال هو تخلف مقام العلامات عن الباقي. فقد نشأت رابطة قوية بين الجامعة و المجتمع من حيث الحاجة إلى الإطارات الكفؤة، فتقننت بذلك مخرجات الجامعة في تصنيف الشهادات الممنوحة بحسب الأهمية، من بكالوريوس و ماجستير و دكتوراه، و تصنيف المتخرجين إلى ممتاز و جيد و متوسط و رديء، و التي تمثل قيمة التأهل الذي ناله صاحبها و ما يتوقع منه المجتمع من كفاءة. إنها تشبه نظام الفئات الورقية النقدية و ما بينها من اختلاف القيم المالية بينها، و في كل خير. من الطبيعي أن يكون لاختلال ذلك التدرج القيمي الأثر السيئ في اختلاط الأوراق و ارتباك حياة الناس. فقد يحدث ذلك عندما يقع مثلا تساوي جميع الأوراق المالية في القيمة النقدية، أو عند وجود فئات ورقية زائفة متداولة مما يدخل التوجس على كل شخص في السوق. أما الأسوأ من ذلك كله فهو أن تنعدم قيمة الأوراق النقدية في السوق حيث يؤدي ذلك إلى انهيار نظام السوق بأكمله. إن تلك الحالة تتجسد في أية جامعة تتحول إلى مجرد مصنع منتج للعلامات و للشهادات، و ذلك بأن تضم مثلا منتسبين يقصدونها أساسا لمجرّد الحصول على الشهادة العلمية، أو أن يصبح الأساتذة فيها آلات لتوزيع العلامات.
أما مقام المعلومات فلعل أصدق صورة عاكسة له هو ما نعيشه حاليا من غزارة و تفجر في المعارف المتعددة و المتداخلة بفعل التقدم الفكري الهائل الذي تشهده البشرية. فقد أصبحت وتيرة الإنتاج المعلوماتي حاليا غير مسبوقة، حيث لا يستطيع حتى صاحب التخصص الواحد متابعة ما يجري في اختصاصه من مستجدات يومية و إنتاج علمي. لكنه في المقابل أصبح من الواضح أن تكديس المعلومات و غزارتها لا تعني بالضرورة العلم بالأشياء و لا بتأهل حاملها. لقد أدى ذلك خلال السنوات الأخيرة إلى انحسار مناهج التعليم التلقيني و تعويضها بمناهج التمكين من أدوات التعلم الذاتي و اكتساب مهارات البحث. و لعل ذلك يدفعنا إلى التساؤل عن مدى نجاعة التقسيم التقني المتداول للمواد العلمية في شكل مقررات مستقلة كثيرا ما تفقد الرابط بينها، و الذي يؤدي في الكثير من الأحيان إلى تعليم مفكك الأوصال. فمن المؤكد أن أذهان البشر لها القدرة الاستيعابية العالية و ربط الأجزاء المنفصلة ببعضها، لكن ذلك لا يكون دائما مضمونا. فقد يصبح الطالب عبارة عن سلّة تجمع فيها عدة معلومات مجزأة لا يجد سبيلا لربطها و تفعيلها ببعضها. و من ثم فقد تظهر فئات طلابية حاملة للمعلومات بدليل نجاحها في كل المواد المقررة بامتياز دون أن يعني ذلك بالضرورة تأهلها لتحمل أمانة العلم والمعرفة و مواجهة الواقع الحقيقي.
و من هنا تظهر قيمة العلم و المعرفة كمسألة جوهرية في التعليم الجامعي. فهو تلك الحالة التي تتوج فيها أجزاء المعارف المشتتة و التي تجعل من صاحبها مصدر تفكير سليم و منبع حكمة و سلوك سوي. ليس بالضرورة أن يكون النجاح في الحصول على أعلى الدرجات مؤشرًا للعلم. و ليس من باب أولى التفوق في جمع المعلومات مؤشرا مطلقا على تبوء مرتبة العلم. فصاحب العلم هو ذلك الإنسان الذي يشعّ العلم في سلوكه و تصرفاته و مواقفه الشخصية التي تميل إلى الموضوعية و التحليل العقلي و الرزانة البعيدة عن تأثير العواطف و الأوهام و التسرع. و كثيرا ما يعبّر عن ذلك رجل الشارع بقوله أنه ليس كل من يحمل شهادة الدكتوراه هو بالضرورة عالم. و لعل ذلك ما يعنيه كذلك بعض العلماء في قولهم "ليس العلم بكثرة الرواية، و إنما العلم نور في القلب...".
يمكن إذن أن نقسم على سبيل الافتراض المنتسبين إلى الجامعة إلى ثلاث فئات متفاوتة؛ فئة الساعين إلى العلامات، وفئة أصحاب المعلومات، و فئة أهل العلم. فالفئة الثالثة، و هي النادرة، هي تلك التي تحرص على العلم لذاته و تلتزم بالعلم صفة و سلوكا، حيث يتحول العلم بالتلقي إلى التزام سلوكي و طريقة تفكير و قناعات ذاتية راسخة لا تزيلها إلا قناعات أخرى أكثر قوة. و قد لا يهم في الكثير من الأحيان نوع التخصص الذي اختاره أفراد هذه الفئة طالما كان العلم طريقا يوصل إلى المعرفة.
و من صفات هذه الفئة أن يكون إحساسها بالمسؤولية مرهفا تجاه العلم و المعرفة و الحقيقة. و قد تتجاوز في الحالات القصوى شخصها بحيث لا تكترث لنفسها و مكاسبها المادية أو للعواقب السلبية التي تواجهها عند النطق و الالتزام بما هي مقتنعة به طالما أن الحياة دروس و كفاح و تدافع. و قد تنسى حقوقها أمام سيطرة قناعاتها على نفسها، يدفعها في ذلك استعدادها للتضحية فيما يعتقد الآخرون أنه مجرد غباء أو غفلة أو تعنّت. إنها تلك الفئة التي فلتت مما يسميه برتراند راسل من التدجين العلمي الذي تمارسه أحيانا الجامعة و المناهج الجامعية تجاه متخرجيها. و هي بذلك تلك الفئة التي تؤسس لنفسها في المجتمع سلطة علمية توازي سلطات السياسة والقوة و المال.
و من البديهي أن تكون هذه الفئة نادرة إن وجدت. فقد لا يمرّ في الجامعة بل و في المجتمع مخلوق بشري بهذه الصفات طيلة سنوات وعقود، تماما مثلما يُرى النجم الفريد الذي يعبر السماء. و هي بالطبع تتفاوت فيما بين أفرادها من حيث العطاء و الاستعداد مثلما تتفاوت النجوم في السطوع.
لا يعني هذا المقال الحط من جامعاتنا بقدر ما يدفع إلى تجديد العزائم، بالطرح المتكرر للسؤال البسيط الذي يجب على كل منتسب أن يطرحه على نفسه: لماذا أنا في الجامعة؟ و من أي فئة أنا؟
(*) جامعة البحرين mbenhamouche@eng.uob.bh
صفحة للطباعة
أرسل هذا المقال لصديق