
بقلم: عبد الحق بوقلقول
في الوقت الذي كانت وكالات الأنباء العالمية تتبادل فيه الأخبار المتعلقة بقرب انسحاب إسرائيل من قطاع غزة كتلك التسريبات التي كانت تتحدث عن الضغوطات الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية بشأن ضرورة إعادة الإعتبار لدور الأجهزة الأمنية الفلسطينية في القطاع بعد أن أجمع المراقبون العسكريون الأمريكيون خاصة أن نشطاء حركة حماس تحديدا صاروا هم المسيطرون على الشئون الأمنية و بالتالي فهم المشرفون المباشرون على تحركات كل المسلحين حتى من خارج كتائب الشهيد عز الدين القسام و هذا ما من شأنه أن يجعل الخطر على الجانب الإسرائيلي يبلغ قدرا أكبر من ما كان متفقا عليه من قبل في إطار إتفاقات أوسلو , جاءت العملية الجبانة التي أقدمت عليها الأيادي اليهودية الآثمة ضد الشيخ أحمد ياسين لتضع أكثر من علامة استفهام حول الظروف التي قادت شارون للقيام بمثل هذا الفعل الشنيع دون أن يكترث لمغبة الجريمة التي يجمع كل المتابعين أنها لن تمر بسلام مهما كانت الأحوال و مهما طال أمد الإنتظار.
أولا لا يجب الإكتفاء بمجرد تفسير الفعل اليهودي على أنه جاء نتيجة تلقي الأجهزة القيادية في الحكومة الصهيونية للضوء الأخضر من واشنطن إذ أن الأمر صار الآن يدخل في نطاق البديهة التي لا ينكرها طرف و لا يجد أي طرف آخر قرينة أخرى قد تعني غير ذلك.
نحن متفقون إنطلاقا أن الضوء الأخضر قد أعطي و لكن هل يمكننا القول أن مجرد حدوث ذلك يعني الإسراع في التنفيذ؟ أو بعبارة أوضح , هل عملية إغتيال الشيخ ياسين لا تقتضي سوى تلقي إشارة من البيت الأبيض؟
إن طرحنا لهذا التساؤل البسيط سوف يجعلنا نلتف حول الموضوع بطريقة أكثر دقة و سنجد أن الإجابة لن تكون على نفس القدر من السهولة التي نسوقها بتسرع في البداية إذ أن جملة من المعطيات و الظروف سوف نجدها في طريقنا لتقصي بعض من الحقيقة المتوفرة لدينا حاليا و ستقودنا حتما إلى استقراء تلك التطورات الغريبة التي سبقت عملية الإغتيال و جعلت الإستنتاج المساق حاليا متسرعا بعض الشيء.
أول هذه المصادفات الغريبة و أهمها في تقديري الزيارة المفاجئة و الخاطفة لملك الأردن عبد الله الثاني لإسرائيل و هي الزيارة التي لم يتسرب عن فحواها شيء حتى كتابة هذه الأسطر على الرغم من أن هذا الملك دأب منذ وصوله إلى كرسي الحكم في عمان عام 1999 على القيام بإجراءات وصفت من قبل الأمريكان بالشجاعة و البناءة تجاه الدولة العبرية و لكن تلك الزيارات كانت تحدث مثلما يقتضي العرف الديبلوماسي و تسبقها تحضيرات بروتوكولية تعطيها بعض المصداقية و التفسير السياسي بالنظر إلى حداثة العلاقات بين الدولتين الهاشمية و اليهودية أي أن الحساسيات بين الجانبين ما زالت قائمة و لم يقع, أولا و أخيرا, تطور جوهري قد يستدعي القيام بمثل هذه القفزة المفاجئة.
هذا من جهة و من جهة أخرى فإن الرحلة الملكية هاته سبقتها جولات مكوكية قام بها رئيس المخابرات العامة المصرية الجنرال عمر سليمان و التي ظل يفهم منها أنها تدخل في إطار عزم مصر على لعب دورها المحوري في تقريب وجهات النظر بين مختلف الفصائل بالأراضي المحتلة و هي المجهودات التي قيل بأنها قد بدأت تعرف طريقها نحو التحقيق خصوصا مع إعلان الشهيد أحمد ياسين قبل أيام من إغتياله أن حركة حماس مستعدة للدخول في هدنة في مقابل إنسحاب إسرائيل من أراضي السلطة زيادة على أن الشيخ رحمه الله قد أعلن قبل ذلك قرار حماس بتجنب استهداف المدنيين و هو القرار الذي يعني تطورا كبيرا في جهود تقريب وجهات النظر و تغيرا راديكاليا في منهجية العمل لدى كوادر هذه الحركة.
كل هذه قرائن لا تستدعي سوى القول بأن حدوث الفعل الإجرامي الشنيع الذي أخلط كل الأوراق يملك دوافع أخرى أكبر بكثير من تفسيرات الجانب الأمريكي بأن إسرائيل لم تفعل سوى ما كان لازما عليها فعله لسبب بسيط هو أن الولايات المتحدة نفسها كانت وقتها تقوم بوساطات متقدمة بين إسرائيل و حركة المقاومة الإسلامية من خلال مضاعفة اللقاءات مع كوادر الحركة في لبنان على وجه الخصوص.
لحد كتابة هذه الأسطر فإن القليلين من المتابعين للشأن الشرق أوسطي يعلمون أنه في الوقت الذي يكون شارون قد اتخذ فيه قرار تصفية الشيخ ياسين كان مسؤولون سامون من وكالة الإستخبارات المركزية يجرون مفاوضات مع ممثل حماس في لبنان أسامة حمدان بالموازاة مع لقاءات مع شخصيات أخرى فاعلة من تيار الإخوان المسلمين في كل من عمّان و لندن على الرغم من الأسماء التي حضرت هذه الجولات من التفاوض لم يعلن عنها بعد و ربما لن يحدث ذلك مطلقا بسبب إنقلاب الوضع .
هل كانت الولايات المتحدة فعلا تسعى إلى تفعيل دور السلطة الفلسطينية كما كانت التصريحات الرسمية و غير الرسمية في واشنطن تقول؟ أم هل أن الولايات المتحدة كانت ترغب في إشعار مناضلي حماس أنه قد يكون في القريب العاجل إمكانية لإيجاد تسوية شاملة مع إدراج إسم الحركة في المفاوضات الرسمية و بالتالي شطبها من قوائم التنظيمات الإرهابية التي ما انفكت تتسع كل يوم مع تفاقم حدة المشكلات التي باتت تواجهها الآلة الديبلوماسية في كتابة الدولة بالتوازي مع تعثرات مفاهيم الحرب الإستباقية و الشرق الأوسط الكبير؟؟ أم أن السبب بكل بساطة هو أن الدور الذي كان مطلوبا من الأمريكان هو القيام بعمل تمويهي واسع يجعل الكل لا يستفيق إلا على وقع الكارثة؟؟
شخصيا، وعلى الرغم من كثرة مقومات القول بهذا التفسير الأخير, لا أعتقد أن الأمريكيين قد يعمدون إلى مثل هذا الدور غير اللائق بوزنهم ليس لأنهم قوم أصحاب مبادئ يدافعون عنها أو شهامة يحفظونها و إنما لأن الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على التحكم في مزيد من الإنفلاتات التي توتر كل المنطقة وهي المتورطة أصلا في المستنقع العراقي و لا شك أنها غارقة في أزمة خانقة بعد قرار الحكومة الإسبانية الجديدة عزمها على الإنسحاب و هو ما يعني أن التحالف الذي قادته هو الآن في مهب الريح.
قد نقول أن الجانب الأمريكي مستفيد بدرجة كبيرة من هذه العملية التي حولت كل الأنظار عن العراق و لكن الدقة تستلزم أيضا القول بأن صرف النظر عن منطقة لا يعني البتة إشعال فتيل آخر في منطقة قريبة جدا من مسرح الحدث و مربط الفرس في كل المنطقة التي قد تلتهب برمتها.
العارفون بموضوع المفاوضات التي حدثت يقولون أن الهدف الأمريكي كان تهميش السلطة الفلسطينية ممثلة في رئيسها ياسر عرفات وهو التفسير المقبول جدا خصوصا و أن صاحب رام الله كان وقتها في مرحلة متقدمة من جهود التسوية بينه و بيم العقيد محمد دحلان الذي يقول الكل أنه أقدر الناس على إعادة الإرتباط بين القطاع و الجهاز الأمني الفلسطيني.
هل يعني هذا أن الولايات المتحدة قد اختلطت عليها الأمور إلى درجة القيام بالشيء و ضده بالتوازي؟ لا أعتقد شخصيا ذلك بل إن التفسير الوحيد الذي أرى أنه الأقرب للتصور هو أن إسرائيل قامت بهذا الفعل من دون العودة إلى واشنطن و هو منهاج ما فتئت حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ عشرات السنين تسلكه كلما أحست بتفاقم الدور الأمريكي و الكل يستحضر هنا المعلومات الموثقة و المسلم بها حاليا من أن الموساد كان يعرف مثلا أن عملية كبرى يعدها المقاومون في لبنان مطلع الثمانينات ضد الأمريكان و لم يشأ الكشف عنها حتى خلف الإنفجار وقتها أزيد من 240 قتيلا من المارينز.
إذن فإسرائيل لن تجد حرجا في تجاوز أكبر حلفائها إذا رأت أن مصلحتها تستلزم القيام بعمل منفرد و لكن ... ألا يقودنا هذا إلى إعادة تركيب مقاطع الحدث و إعادة تذكر آخر تفاصيل التطور الذي حصل. أليس من غير المعقول أن نقول أن إسرائيل تجاوزت الرأي الحليف ثم العودة و القول بأن العملية لو لم يتم التحضير لها بعناية فائقة فإنها كانت تمثل قفزة نحو المجهول و وضع كامل المنطقة على شفا الفوضى العارمة؟؟
لو سألت أي عسكري عن الإحتياطات التي كان سيضمنها قبل المبادرة إلى تنفيذ مثل هذه العملية لقال لك أن الدقة العسكرية و التطور التكنولوجي المذهل وحدهما غير كافيين في ضمان نجاح العملية إذ لا بد من توفر عامل الموجه المباشر من مسرح الجريمة و إلا فإن الذي يعمد إلى هذا التصرف مجرد مفتون بقوته منكر لأبجديات العمل المخابراتي اللازم في هذا النوع من العمليات.
لا يختلف إثنان في أن الموساد يملك عددا كبيرا من العملاء بالقرب من الشيخ الشهيد فهذه بديهة في عالم الجاسوسية و لا يستلزم الأمر منا عظيم فطنة لنقول أنه تنفيذ العملية كان بكل تأكيد بعد تلقي معلومات دقيقة حول مكان الشيخ و السيارة التي يركبها و حتى موعد خروجه من المجمع الإسلامي بدقة متناهية تجنبا للفضيحة التي قد تعني تغييرات سريعة في هرم هذه المؤسسة الإستخباراتية, و لكن هذا أيضا لا ينفي أن قرار إغتيال الشيخ هو بالأساس قرار سياسي لا يرتكز فقط على معلومات محلية دقيقة و إنما يستلزم أيضا تجميع حجم أدنى ضروري من التنسيق بين عدة جهات ستتولى مباشرة بعدها عملية تأمين مرحلة ما بعد التنفيذ.
إذا كان المستهدف بالأساس هو الشيخ أحمد ياسين رحمه الله فإن هذا الإسم يعني ذلك الكم الكبير من المتعاطفين و المؤيدين في كل المنطقة إذ سيكون من يقدم على مثل هذه العملية غبيا جدا لو اكتفى بمجرد إعدادها عسكريا ثم مواجهة مخلفاتها التي لا يمكن قط تخمينها مسبقا و بصفة مضبوطة.
قلنا أن عمر سليمان كان دائم الإنتقال إلى الضفة الغربية و قلنا أيضا أن الأمريكان كانوا في مراحل متطورة من التفاوض أدت إلى تليين موقف الشيخ ياسين نفسه و لكن إذا ما لاحظنا أن رحلة الملك عبد الله الثاني كانت في ظرف غير مبرر و أضفنا أن رئيس الموساد ماير داقان Meir Dagan كان قبلها بأيام في القاهرة في رحلة مفاجئة أخرى استلزمت تكتما من الجانب المصري فإن التفسيرات غير تلك التي تصب في خانة العمل المنسق الكبير بين أنظمة المنطقة – حتى لا نقول دول المنطقة – أدت كلها في الأخير إلى القيام بهذا الفعل الذي ضرب كل مبادرات التقريب عرض الحائط و قزم الدور الأمريكي و أثبت لكل ذي عين أن السياسة التي قيل أنها فن الممكن قد تكون أحيانا عند بعض الناس فن الخيانة أيضا.